For updates

الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2011

قائمة العار: سلامة أحمد سلامة (في مساواة القاتل بالمقتول)

المصريون يحرقون تراثهم! 

سلامة أحمد سلامة 

 سلامة أحمد سلامة
يغيب عن البال فى معظم الأحيان أن استخدام القوة المفرطة من جانب طرف ضد عنف الطرف الآخر، يفقد كلا الطرفين التعاطف مع أى منهما.. ويبدد الاحساس بالأمان والثقة فى سلامة تصرفات الحكومة والعسكريين قبل أن يفقد ثقته فى تصرفات المتظاهرين والمعتصمين. وهو ما وضع المجلس الاستشارى فى موقف لا يحسد عليه، حمل بعض أعضائه على الهروب من المسئولية وتقديم استقالاتهم. وكأنهم كانوا مدعوين إلى حفلة، فلما لم  تعجبهم سارعوا إلى القفز من السفينة قبل أن تغرق. وهو أكثر ما يغيظ المرء من هؤلاء الذين هرولوا إلى قبول عضوية المجلس الاستشارى، ثم تخلوا عنه لدى أول بادرة توحى بوجود مشكلة.. وانضموا بذلك إلى القائلين بوجود طرف ثالث مجهول هو  الذى أطلق الرصاص.

لم تكن المواجهات التى وقعت يوم الجمعة بين قوات من الأمن والعسكر وبين المعتصمين الذين رفضوا الانسحاب من مواقعهم أمام مجلس الوزراء، اثر احتكاك وقع بين جنود الجيش وشاب خرج مضرجا بدمائه.. قيل انه كان ــ وللغرابة ــ يلعب الكرة فى مكان الاعتصام، حين سقطت الكرة داخل فناء ملجس الوزراء! غير فصل من فصول سوء النية والتربص من الجانبين، شهدنا أمثلة له قبل ذلك عدة مرات. وانتهى فى كل مرة بطريقة مأساوية وضحايا من القتلى والجرحى.. لم يتعلم أحد منها شيئا!

ويبدو أن حكومة الجنزورى كانت عازمة هذه المرة على فض الاعتصام بأى ثمن بعد أن حال المتظاهرون بين رئيس الوزراء والدخول إلى مكتبه.. ولكن بدون استخدام العنف على حد قوله. وهى عملية شبه مستحيلة لأن فض المظاهرات والاعتصامات التى تؤدى إلى تعطيل مرافق الدولة أمر غير جائز قانونا. وإذا استخدمت فيه القوة فلابد أن تستخدم مثل الدواء بحساب ودون افراط.. وهذا بالضبط ما عجزت الشرطة فى كل مرة ــ عسكرية كانت أو مدنية ــ عن الالتزام به. ومن ثم تقع المصادمات كما رأينا. وبدلا من القبض على المتورطين فى الاشتباكات سواء بإلقاء الحجارة، أو هدم سور مجلس الشعب أو إشعال النار فى بعض المبانى، يفقد العسكر ضبط النفس ويندفعون إلى القصاص والرد بالمثل.. أى بإلقاء الحجارة واستخدام العصى.

فى ظنى أن قوات الشرطة والعسكر التى واجهت هذه الاشتباكات، تفتقر إلى التدريب والحنكة التى تسمح باستخدام قدر محدود من القوة فى تطبيق فنون مكافحة الشغب، دون التورط فى مصادمات دامية. وكم رأينا على شاشات التليفزيون فى العواصم الأوروبية كيف يتم فض المظاهرات والاعتصامات دون ايقاع إصابات سواء بين المتظاهرين أو بين الجنود أنفسهم.. ولكن كل شىء عندنا فى مصر يتم بغشومية وخشونة تتسم بالقسوة، وتثير غضب الناس وسخطهم على الجيش والبوليس والثورة والمعتصمين!

وهكذا بدأت الاشتباكات واحتدت على نطاق واسع من مستصغر الشرر شاركت فيه الدهماء وأطفال الشوارع والبلطجية.. من حادث تافه لم يكن مقصودا لإلغاء الانتخابات كما روّج البعض، حتى لا تتكرر تجربة الجزائر.. ولا كان هدفه إشاعة الفوضى كما يقال.. لتصل إلى درجة إحراق مبان تاريخية مثل مبنى المجمع العلمى المصرى الذى يضم تراثا تاريخيا نادرا من الكتب والمخطوطات، بإلقاء زجاجات المولوتوف الحارقة. ولست أظن أنه مهما تكن مسئولية المجلس العسكرى، أن يكون الجيش هو الطرف الثالث المجهول فى هذا اللغز.. فليست هذه هى المرة الأولى التى يحرق فيها المصريون تراثهم!

وعودة إلى الموقف الغامض للمجلس الاستشارى الذى قيل إن أعضاءه علقوا عضويتهم فيه.. ما يعنى أن المجلس نفسه قد توقف عن ممارسة مسئولياته.. فهو يتخذ موقفا مشابها بموقف المعارضة السورية التى اتهمت الجامعة المصرية بالتآمر على قلتهم.

كان المفروض أن يحافظ المجلس الاستشارى على وجوده واستمراريته ــ خصوصا وأنه فى بداية عمله ــ ويسعى إلى الضغط للكشف عن الأصابع الخارجية التى يتهمها العسكريون بأنهم السبب وراء هذه الكوارث وتقديم أصحابها للمحاكمة. أو يعترف المجلس العسكرى بتصوره إزاء عناصر البلطجية والقوى الغامضة التى تهدد استقرار مصر.

وفى رأيى أن الذين سارعوا إلى ترك المجلس الاستشارى لابد أن يتركوه نهائيا وبغير رجعة.. فهم لا يعاقبون المجلس بل يعاقبون أنفسهم وما يمثلونه.
-----------------------------------------
مقال نُشر في جريدة "الشروق"، الإثنين ١٩ ديسمبر ٢٠١١
http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=19122011&id=0d957f3f-9454-4132-8c64-d3133ddf848f

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق